بين شوارع أوروبا المشتعلة وتهديدات المنطقة.. مصر تفتح صفحة جديدة في صناعة المستقبل

في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية، وتواجه المنطقة العربية تحديات أمنية وعسكرية بالغة الخطورة، جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في حفل تخريج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية ليحمل رسائل تتجاوز حدود المناسبة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفكير في مستقبل الدولة المصرية، وإعداد من يتحملون مسؤوليتها في السنوات المقبلة.

فبينما شهدت فرنسا احتجاجات واسعة وأعمال عنف، وامتدت المظاهرات إلى إيطاليا وبلجيكا والبرتغال، وسط مطالب تتعلق بغلاء المعيشة والأجور والخدمات العامة، تشهد المنطقة تطورات أمنية خطيرة على خلفية تصاعد الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية. وفي خضم هذه المشاهد المتشابكة، يبرز السؤال الأهم: كيف تستعد الدول لمواجهة الأزمات، وكيف تضمن استمرار مؤسساتها وقدرتها على صناعة المستقبل؟

مصر لا تنتظر المستقبل.. بل تستعد لصناعته

لم يكن أبرز ما جاء في خطاب الرئيس السيسي مجرد إعلان عن برنامج لتأهيل كوادر جديدة، وإنما طرح فكرة تستحق التوقف أمامها: أن الدولة لا ينبغي أن تنتظر حتى تقترب لحظة انتقال المسؤولية لتبدأ البحث عن قيادات قادرة على إدارتها، بل عليها أن تعمل منذ الآن على إعداد الكفاءات وتأهيلها.

فقد طرح الرئيس برنامجًا يمتد لثلاثين شهرًا بالأكاديمية العسكرية المصرية، يستهدف إعداد أشخاص تتوافر فيهم شروط الترشح لرئاسة الجمهورية، إلى جانب تأهيل كوادر قادرة على تولي المسؤوليات القيادية بالدولة، مع الإعلان بوضوح عن انتهاء فترة رئاسته في عام 2030، والتأكيد أن الدستور لن يُمس لتمديدها.

وهنا تكمن أهمية الرسالة؛ فبناء الدول لا يتوقف عند حدود إدارة الحاضر، بل يمتد إلى إعداد المستقبل، وتوفير البدائل، وتأهيل الأجيال التي تستطيع استكمال مسيرة الدولة في إطار المؤسسات والقانون.

إن إعداد القيادات ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة وطنية، خاصة في عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، وتتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع التحديات الأمنية، وتصبح فيه كفاءة الإدارة عنصرًا حاسمًا في قدرة الدول على الصمود والاستمرار.

حين تصبح الأزمات اختبارًا لقدرة الدول

إن ما يحدث في أوروبا يثبت أن قوة الدولة الاقتصادية ومكانتها الدولية لا تعنيان بالضرورة غياب الأزمات الداخلية. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة السكن، وتزايد الضغوط على الخدمات العامة، يمكن أن تتحول إلى موجات احتجاج واسعة عندما يشعر المواطن بأن مطالبه لا تجد الاستجابة الكافية.

والدرس هنا ليس أن المظاهرات دليل على انهيار الدول، فالتظاهر السلمي حق مشروع، وإنما أن تجاهل الأزمات الاجتماعية أو تأخر معالجتها قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وأن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى عدالة اجتماعية، وإدارة رشيدة، وقدرة على الاستماع إلى المواطنين والاستجابة لاحتياجاتهم.

وفي المقابل، تواجه المنطقة العربية تحديات أمنية لا يمكن فصلها عن مستقبل التنمية والاستقرار. فالتصعيد المرتبط بالهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية يفرض ضرورة التنسيق العربي، وحماية الأمن القومي، وتجنب اتساع دائرة الصراع بما يهدد أمن الشعوب ومقدراتها.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس السيسي استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن المملكة العربية السعودية إذا طُلب منها ذلك، مع مراعاة الإجراءات الدستورية والحصول على موافقة البرلمان. وهي رسالة تعكس أهمية الأمن العربي المشترك، وما يفرضه من مسؤوليات وتنسيق بين الدول المعنية.

2030.. موعد لصناعة جيل جديد من القيادات

إن إعلان الرئيس أن عام 2030 سيكون نهاية فترة رئاسته يضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية التفكير الجاد في المرحلة المقبلة، ليس من زاوية الأشخاص، بل من زاوية المؤسسات والبرامج والقواعد التي تضمن استمرارية الدولة.

فالمستقبل لا يُصنع بالقرارات وحدها، وإنما ببناء الإنسان، وتطوير التعليم، وتأهيل الكفاءات، وإتاحة الفرصة أمام أصحاب الخبرة والقدرة، وترسيخ ثقافة المسؤولية العامة.

ومع ذلك، فإن نجاح مشروع إعداد القيادات يتطلب أن يقوم على أسس واضحة، في مقدمتها الشفافية، وتكافؤ الفرص، والجدارة، والاستقلالية في التقييم، والالتزام الكامل بأحكام الدستور. كما ينبغي التأكيد أن برامج التأهيل لا تحل محل حق المواطنين الدستوري في الترشح والاختيار، وإنما يكون دورها إعداد الكفاءات ورفع مستوى جاهزيتها لتحمل المسؤولية.

فالرئيس القادم، وأعضاء الحكومة، والمحافظون، وسائر القيادات العامة، يحتاجون إلى العلم والخبرة والرؤية، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى فهم عميق لمشكلات المواطنين، وإيمان بسيادة القانون، وقدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الإنسان وأولويات التنمية.

مصر القوية.. دولة المؤسسات لا الأشخاص

إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها من هذا الخطاب هي أن قوة مصر لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات الخارجية، بل أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، وإعداد قيادات مؤهلة، وضمان انتقال المسؤولية وفق القواعد الدستورية، مع تحقيق التنمية التي يلمس المواطن آثارها في حياته اليومية.

فلا قيمة للاستقرار إذا لم يصاحبه تحسن في مستوى المعيشة، ولا جدوى من إعداد القيادات إذا لم تكن الكفاءة والنزاهة واحترام القانون هي معايير الاختيار، ولا يمكن بناء مستقبل قوي دون مشاركة مجتمعية حقيقية وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن.

إن مصر أمام فرصة مهمة لتحويل فكرة إعداد القيادات إلى مشروع وطني متكامل، لا يقتصر على منصب بعينه، بل يمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة، ويستثمر في العقول والخبرات، ويفتح المجال أمام الكفاءات القادرة على الابتكار والعمل وتحمل المسؤولية.

الخلاصة

بين اضطرابات تشهدها دول أوروبية، وتحديات أمنية تهدد المنطقة، ورسائل سياسية تتعلق بمستقبل الحكم في مصر، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية وطنية تجمع بين حماية الدولة وتجديد قياداتها، وبين الاستقرار والإصلاح، وبين قوة المؤسسات واحترام الدستور.

إن صناعة المستقبل لا تبدأ يوم تسليم المسؤولية، بل تبدأ من اليوم الذي تقرر فيه الدولة أن تُعِدّ أبناءها لها.

فالدول العظيمة لا تكتفي بأن تواجه أزمات الحاضر، وإنما تُعِدّ رجالها ونساءها لمستقبل لم يأتِ بعد. ومصر، بما تمتلكه من تاريخ ومؤسسات وكفاءات، قادرة على تحويل هذا التحدي إلى فرصة حقيقية لبناء دولة أكثر قوة واستقرار و عدالة

شارك المقال :
Picture of مايكل نصيف

مايكل نصيف

دكتوراه في القانون الجنائي
محامي حر بالنقض و الدستورية العليا
محكم مصري و دولي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

منشور شائع

الاكثر قراءة